كيف يعيد اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تشكيل حياتهم في ظل الأزمة الاقتصادية وتداعيات الحرب؟
تغيّرت ملامح الحياة اليومية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، لا سيما داخل المخيمات، تحت وطأة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وتداعيات العدوان "الإسرائيلي"، حيث لم تعد الأولويات كما كانت في السابق، وبات تأمين الاحتياجات الأساسية الهمّ الأول في مواجهة واقع معيشي قاسٍ.
وبين السعي لتأمين الضروريات ومحاولات الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، يواصل اللاجئون التكيّف مع الظروف الجديدة، دون أن يتخلّوا عن أحلامهم التي لا تزال حاضرة رغم كل التحديات.
وتنعكس في الشهادات الميدانية، التي سجلها موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين في هذا التقرير، تفاصيل الحياة اليومية للاجئين، وما طرأ عليها من تحولات عميقة، وكيف يحاول اللاجئون الفلسطينيون التكيّف لإعادة انتاج حياتهم وفق الممكن.
تبدّل الأولويات… والعمل لساعات أطول
يقول أبو أحمد، وهو لاجئ فلسطيني من مخيم الجليل، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن حياته تغيّرت بشكل كبير في الفترة الأخيرة مع تدهور الوضع المعيشي، وأوضح أنهم باتوا يعيشون يوماً بيوم، وأن التفكير بتأمين الأساسيات أصبح الشغل الشاغل لهم.
ويشير إلى أن تأمين الدواء والمصاريف الأساسية يشكّل التحدي الأكبر، خاصة مع الارتفاع المستمر في الأسعار، ما يضطرهم في كثير من الأحيان إلى تأجيل الدفعات أو الاستدانة لتأمين احتياجات العائلة.
ويضيف أبو أحمد، أن أموراً كانت تُعدّ سابقاً من الكماليات، مثل الهاتف والإنترنت، أصبحت اليوم من الأساسيات التي لا يمكن الاستغناء عنها.
ويتابع أن من أصعب اللحظات هي الشعور بعدم وجود أي خيار بديل، وأن أي طارئ قد يضاعف الضغوط عليهم، ولفت إلى أن الظروف أجبرتهم على العمل في أكثر من مهنة أو زيادة ساعات العمل، وقال: "صرنا نشتغل ساعات أكثر لنحصل على خمسة دولارات، وهي اليوم لا تكفي لشيء".
كما يوضح أبو أحمد، أن التعليم شكّل عبئاً إضافياً من حيث التكاليف والضغط النفسي، ما زاد من صعوبة التأقلم، وأشار إلى أن هذه المرحلة علّمتهم الصبر والتركيز على الأساسيات فقط.
العيش يوماً بيوم… بلا استقرار
من جانبه، يوضح أبو محمد كايد، وهو لاجئ فلسطيني من البقاع، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن عمله يعتمد على الفرص المتاحة يوماً بيوم، وقال: "أحياناً يكون هناك عمل، وأحياناً لا"، ما يعني غياب الاستقرار في الدخل.
ويشير إلى أن هناك أياماً لا يجد فيها أي فرصة عمل، فيضطر للبحث عن أعمال مؤقتة لإعالة عائلته، وأضاف أن الدخل، في حال توفره، بالكاد يغطي المصاريف الأساسية مثل الطعام والكهرباء والطبابة.
ويؤكد أبو محمد، أنه يضطر في معظم الأحيان إلى الاستدانة أو تأجيل الكثير من الالتزامات لتسيير أمور أطفاله، ولفت إلى أن الحياة كانت في السابق أسهل من حيث القدرة على تأمين الاحتياجات، بينما أصبح الضغط النفسي والتفكير بالمستقبل من أبرز التحديات اليوم.

الشباب بين البحث عن الاستقرار النفسي وتراجع الأحلام
أما شادي صباح، وهو لاجئ فلسطيني من مخيم الجليل، فيقول لموقعنا: إن حياته تغيّرت بشكل واضح، وأصبح يشعر بثقل حتى في التفاصيل الصغيرة. ويوضح أنه كان يعيش يومه سابقاً دون التفكير المستمر بالمصروف أو المستقبل، بينما بات اليوم يحسب كل خطوة بدقة.
ويؤكد صباح، أن بحثه لم يعد يقتصر على الاستقرار المادي، بل يشمل الاستقرار النفسي أيضاً، وقال: "أصبحت أبحث عن راحة البال أكثر من أي شيء، وأفكر كيف أؤمّن مستقبلي ومستقبل عائلتي".
ويشير إلى أن كثيراً من الأمور لم تعد أولوية، مثل الخروج والتنزه أو حتى بعض الأحلام الكبيرة، حيث بات التركيز على الضروريات فقط. كما يلفت إلى أن الظروف الاقتصادية فرضت عليه اختيارات قائمة على السعر بدل الجودة، وأجبرته على تأجيل قرارات كان يتخذها بسهولة في السابق.

ويختم بالقول: إنه بات يضطر للتنازل عن أمور أساسية ليس برغبته، بل نتيجة الواقع المفروض، وأضاف: "أحياناً أشعر أنني أتكيّف رغماً عني، لكنني أحاول الاستمرار".
الإصرار على التعليم رغم التحديات
في المقابل، يتمسّك محمد الحاج، وهو لاجئ فلسطيني من مخيم الجليل، بحلمه في استكمال دراسته في إدارة الأعمال، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. ويؤكد أنه لم يفكر في ترك الدراسة، بل يرى فيها طريقه لبناء مستقبله.
ويشير إلى أنه يضطر أحياناً لتأجيل تسجيل الفصول الدراسية من أجل العمل وتأمين الأقساط الجامعية، لافتًا إلى أن التحوّل إلى التعليم عن بُعد زاد من صعوبة التركيز.
ويؤكد الحاج أن حلمه بأن يصبح مدير أعمال لا يزال قائمًا، رغم التحديات، مضيفًا أن التمسك بالتعليم هو وسيلته الوحيدة للخروج من الواقع الصعب، قائلاً: "الطريق أصبحت أصعب، لكنني سأصل وأحقق حلمي".
وبين ضيق الواقع وضغط الظروف، يواصل اللاجئون الفلسطينيون محاولاتهم للتكيّف مع حياتهم الجديدة، من خلال الإصرار على العمل والتمسك بالتعليم، بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا. ورغم التحديات المتزايدة، يبقى الأمل حاضرًا بانتظار فرصة قد تفتح بابًا نحو حياة أكثر أمانًا وكرامة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات