مخيم عين الحلوة صامد بتضامنه الاجتماعي رغم الضغوط والانهيارات والأزمات
شهد مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان تحولات لافتة في العلاقات الاجتماعية داخله، في ظل الأزمات المتراكمة التي تعصف بالسكان، وما رافقها على هامش العدوان "الإسرائيلي"، حيث برزت صورة مركّبة تجمع بين تعزيز قيم التضامن من جهة، والتي تجلّت في مبادرات فردية وجماعية للتكافل والتعاون، إلى جانب تصاعد التوترات الناتجة عن الضغوط الاقتصادية والمعيشية من جهة أخرى.
ورصد موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين هذا الواقع، حيث أجمع ناشطون وأهالٍ على أن روح التكافل لا تزال حاضرة بقوة، رغم التحديات المتزايدة التي تثقل كاهل اللاجئين، إذ يتقدّم التضامن على التوتر داخل المخيم في ظل الأزمات الكبرى.
وفي هذا السياق، أكد الناشط الاجتماعي محمد ديب لموقعنا أن "المخيم لا يزال يحافظ على علاقات اجتماعية جيدة بين مكوناته، وأن روح التضامن تغلب رغم الظروف الصعبة، حتى مع وجود بعض التوترات التي قد تظهر أحياناً"، مشيراً إلى أن وحدة المصير والواقع المشترك تسهم في تعزيز الترابط والتعاون بين الأهالي.
استقبال النازحين اختبار حقيقي للتماسك رغم المحدودية
وعن أبرز مظاهر هذا التضامن، أوضح ديب أن المخيم، رغم ما يعانيه من فقر وحرمان واكتظاظ وإجراءات أمنية، "فتح أبوابه للنازحين من الجنوب، حيث استضاف أكثر من 800 عائلة نازحة"، لافتاً إلى أن الأهالي قدّموا لهم الدعم والمساندة، فيما نشطت خلال شهر رمضان مبادرات مجتمعية عدة، مثل المطابخ الخيرية وتقديم المساعدات النقدية، في محاولة للتخفيف من معاناة العائلات.

وفي المقابل، شدد ديب على أن حجم المساعدات لا يزال دون مستوى الاحتياجات، مؤكداً ضرورة أن تضطلع الجهات المعنية بدورها في متابعة أزمات المخيم، خاصة في ظل تفاقم الغلاء وفقدان الكثير من السكان لمصادر دخلهم. وأضاف أن ما تقدمه وكالة "أونروا" غير كافٍ، محمّلاً إياها مسؤولية أساسية إلى جانب الجمعيات المحلية.
من جهتها، أكدت الناشطة الاجتماعية فاطمة سرحان أن المخيم شهد حالة تضامن لافتة، حيث فتح السكان منازلهم لاستقبال العائلات النازحة من المناطق الأكثر تضرراً، في مشهد يعكس قوة الروابط الاجتماعية.
وأشارت إلى أن الأهالي تقاسموا ما توفر لديهم من مأوى وغذاء ومياه، فيما لعبت المؤسسات والجمعيات دوراً مهماً في تنظيم جهود الإغاثة وتقديم الدعم، ما ساهم في التخفيف من الأعباء.
وأضافت أن هذا التماسك تجلّى أيضاً في التعاطي مع الأحداث الأمنية، حيث ساد وعي جماعي حال دون انزلاق المخيم إلى توترات أكبر، حتى في لحظات حساسة مثل تشييع الشهداء، حفاظاً على الاستقرار في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين.

النساء في مواجهة العبء الأكبر
وفي شهادات تعكس الواقع اليومي، قالت نازك السيد إن النساء يتحملن الجزء الأكبر من تداعيات الأزمة، موضحة: "لا يزال هناك تضامن بين الناس ومبادرات إيجابية، خاصة في أوقات الشدة، لكن الضغوط تضاعفت بشكل كبير، فالأسعار ترتفع بشكل جنوني، وفرص العمل شبه معدومة، والمسؤوليات كلها تقع على كاهل الأسرة، وخاصة المرأة".
وأضافت أن هذه الضغوط تنعكس على الحياة الأسرية، حيث تتزايد الخلافات حتى على أمور بسيطة نتيجة الضيق المعيشي والتوتر النفسي، مشيرة إلى أن "كل بيت تقريباً في المخيم بات يشهد مثل هذه الضغوط".
ورغم ذلك، شددت على أن الأهالي لا يزالون متمسكين ببعضهم البعض، معتبرة أن فقدان التضامن يعني خسارة "آخر ما تبقى" من مقومات الصمود، وأن الأمل لا يزال قائماً، لكنه يحتاج إلى دعم فعلي.
ضغوط معيشية تؤجج التوتر
بدوره، أشار رياض قاسم إلى أن الوضع الاقتصادي بلغ مستويات غير مسبوقة من الصعوبة، قائلاً: "كأرباب أسر، نحن مسؤولون عن تأمين لقمة العيش، لكن فرص العمل شبه معدومة، وإن وُجدت فهي لا تكفي لتغطية أساسيات الحياة، ما يخلق ضغطاً نفسياً كبيراً".
وأوضح أن هذا الواقع أدى إلى تصاعد التوترات بين الأهالي، حيث أصبحت الخلافات أكثر حضوراً نتيجة الضغوط، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في الناس بقدر ما هي في الظروف التي فرضت نفسها عليهم.
وأكد قاسم أن روح المساعدة لا تزال موجودة، لكنها لم تعد كافية وحدها لمواجهة الأزمات، مشدداً على ضرورة توفير دعم حقيقي وفرص عمل، محذراً من أن استمرار الأوضاع على حالها قد يؤدي إلى مزيد من التصدعات في العلاقات الاجتماعية داخل المخيم.
في ظل هذا الواقع المعقّد، يبقى مخيم عين الحلوة نموذجاً لقدرة المجتمعات على التكيف والصمود، حيث لا تزال قيم التضامن والتكافل تشكّل صمام أمان يحول دون تفكك النسيج الاجتماعي، رغم الضغوط الاقتصادية والتوترات المتزايدة. وبين الخوف من تفاقم الأزمات والتمسك بالأمل، يواصل الأهالي محاولاتهم للحفاظ على توازن دقيق في مواجهة مرحلة شديدة الحساسية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات